المقريزي
16
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
قال : وقد سمعت في فتح القصر وجها آخر ، هو أنّ المسلمين لمّا حاصروا « a » باب أليون ، كان به جماعة من الرّوم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس ، فقاتلوهم شهرا . فلمّا رأى القوم الجدّ من العرب على فتحه والحرص ، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه ، خافوا أن يظهروا عليهم ، فتنحّى المقوقس وجماعة من أكابر القبط ، وخرجوا من باب القصر القبلي ودونهم جماعة يقاتلون العرب ، فلحقوا بالجزيرة « 1 » - موضع الصّناعة اليوم - وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النّيل . ويقال إنّ الأعيرج تخلّف في الحصن بعد المقوقس ، وقيل خرج معهم ، فلمّا خاف فتح الحصن ركب هو وأهل القوّة والشّرف ، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن ، ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة « 2 » . فأرسل المقوقس إلى عمرو : « إنّكم قوم قد ولجتم في بلادنا ، وألححتم على قتالنا ، وطال مقامكم في أرضنا ، وإنّما أنتم عصبة يسيرة ، وقد أظلّتكم الرّوم ، وجهّزوا إليكم ومعهم من العدّة والسّلاح ، وقد أحاط بكم هذا النّيل ، وإنّما أنتم أسارى في أيدينا ، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم ، فلعلّه أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ ، وينقطع عنّا وعنكم القتال قبل أن تغشاكم جموع الرّوم ، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه ، ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم ، فابعثوا إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء » . فلمّا أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس ، حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس ، فقال لأصحابه : أترون أنّهم يقتلون الرّسل ، ويستحلّون ذلك في دينهم ؟ وإنّما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين . فردّ عليهم عمرو مع رسله : « إنّه ليس بيني وبينكم إلّا إحدى ثلاث خصال : إمّا أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا ، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد
--> ( a ) بولاق : حصروا . ( 1 ) حاشية بخط المؤلّف : « هذه الجزيرة هي الرّوضة ، والصناعة كانت في القديم بها وقد ذكرت في موضعه من هذا الكتاب » . ( 2 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 64 .